محمد أبو زهرة

1918

زهرة التفاسير

المنافقين ، تلك صلاة المنافقين ، يجلس أحدهم يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان ، قام ( فنقر أربعا ) لا يذكر الله فيها إلا قليلا » « 1 » . والحقيقة النفسية في هذه الصلاة أنهم يتوهمون بها أنهم يخدعون غيرهم ، إذ إنهم يصلون هذه الصلاة ليراءوا بها ، والرياء أن يقوم الشخص بالعمل الجميل في مظهره لا لاتباع أمر الله والقيام بحق الغير عليه ونفع الناس به ، بل ليخدع به الناس ويظهر بالخير ابتغاء رضاء الناس . والرياء نوع من الشرك ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : « من صلى يرائى فقد أشرك ومن تصدق يرائى فقد أشرك » « 2 » . وإن هذا النوع من الخداع مكشوف كما رأيت ، فهم لا يقصدون وجه الله بصلاتهم ، ولكن يقصدون ستر نفاقهم وتغطية أمرهم ، ولذلك قال الله تعالى فيهم : وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا أي أنهم لا يجرى ذكر الله تعالى في قلوبهم إلا ذكرا قليلا ، أو إلا وقتا قليلا لا يلبث أن يطفئه النفاق وإذا قامت في قلوبهم شعلة من الإيمان بالله لا تلبث أن تخبو لغلبة أهوائهم ؛ وذلك لأن هؤلاء المنافقين يعرفون الله تعالى ، ويدركون معاني الإيمان ، ولكن غلبت عليهم شقوتهم ، فكفروا به إذ عرفوه ، ومن كانت هذه حاله يعتريه أحيانا تذكر لله تعالى وعظمته ،

--> ( 1 ) رواه مسلم بلفظ مقارب بلفظ المفرد ( تلك صلاة المنافق ) بغير تكرار ، كما رواه الترمذي ، والنسائي ، ورواه أبو داود ، وأحمد ، ومالك بنحو من الرواية المذكورة في التفسير . أما ما رواه مسلم : المساجد ومواضع الصلاة - استحباب التبكير للعصر ( 622 ) عن العلاء بن عبد الرحمن أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر وداره بجنب المسجد ، فلما دخلنا عليه قال : أصليتم العصر ؟ فقلنا له : إنما انصرفنا الساعة من الظهر ، قال : فصلوا العصر ، فقمنا فصلينا ، فلما انصرفنا قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا » . ( 2 ) سبق تخريجه من رواية أحمد عن شداد بن أوس .